أسعد السحمراني
120
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
لقد فهم السلف الصالح أهمية العدل فأعطوا المثال المشرق الذي لا يدانيه نموذج عند الأمم الأخرى . من الشواهد على ذلك ما نقل في الأثر بأن فاطمة بنت أسد المخزومية سرقت عام الفتح فأهمّ قريش أن يوضع الحدّ عليها وتقطع يدها ، فتحاوروا في أمر من يستطيع محادثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشأنها ، فوقع اختيارهم على أسامة بن زيد ، ووسّطوه في الأمر . ولما كلّم أسامة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأمرها متوسطا قال له : أتشفع بحدّ من حدود اللّه يا أسامة ؟ ثم قام صلوات اللّه عليه في الناس خطيبا ومما جاء في كلامه الشريف : إنما هلك من كان قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، واللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . وسلك الصحابة الكرام السلوك نفسه ومن الأمثلة على ذلك في عهد الفاروق رضي اللّه عنه : أنه بينما كان عمر جالسا جاءه رجل من أهل مصر ، وترجح الروايات أنّه من أهل الذّمّة من الأقباط ، وقال له : سابقت على فرس ابنا لعمرو بن العاص ، وكان يومها أميرا على مصر ، فسبقته فجعل يقمعني بسوطه ويقول : أنا ابن الأكرمين . ولما بلغ ذلك الأمر أباه خشي أن آتيك وأشكوه فحبسني في السجن ، ولما انطلقت منه في هذا الحين جئتك شاكيا يا أمير المؤمنين . فما كان من الفاروق إلّا أن كتب إلى عمرو بن العاص : إذا أتاك كتابي فاشهد موسم الحج أنت وولدك فلان . وأمر المصري بالإقامة حتى يجيء عمرو بن العاص . قدم ابن العاص وولده وبعد الحج وشعائره كان بجانب عمر بن الخطاب عمرو بن العاص وولده والمصري ، فرمى الخليفة بدرّته إلى المصري وأمره أن يضرب ولد عمرو بن العاص قائلا له : اضرب ابن الأكرمين . وخاطب الفاروق عمرو بن العاص بعبارته الشهيرة : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا . ولهذا استحق الفاروق أن يقول الرومي رسول قيصر حين وجده يفترش الرمل ليلا بمفرده : حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر .